ابن الجوزي

186

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

محزونا [ 1 ] ، فقيل لأبيه ، فقال : انشروا [ 2 ] عليه كل لهو وباطل حتى تنزعوا [ 3 ] من قلبه هذا الحزن والغم . فلبث حولا ، ثم قال : أخرجوني ، فأخرج على مثل حاله الأول ، فبينا هو يسير إذا هو برجل قد أصابه الهرم ولعابه يسيل من فيه ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : رجل قد هرم ، قال : يصيب ناسا دون ناس ، أو كلّ خائف له إن هو عمّر ؟ قالوا : كل خائف [ له ] [ 4 ] ، قال : أفّ لعيشكم هذا ، [ هذا ] [ 5 ] عيش لا يصفو [ لأحد ] [ 6 ] . فأخبر بذلك أبوه ، فقال : احشروا عليه كل لهو وباطل . فحشروا عليه . فمكث حولا ثم ركب على مثل حاله . فبينا [ 7 ] هو يسير إذا هو بسرير تحمله الرجال على عواتقها ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : رجل مات ، قال لهم : وما الموت ؟ ائتوني به ، فأتوه به ، فقال : أجلسوه ، فقالوا : إنه لا يجلس ، قال : كلموه ، قالوا : إنه لا يتكلم . قال : فأين تذهبون به ، قالوا : ندفنه تحت الثرى ، قال : فيكون ما ذا بعد هذا ؟ قالوا : الحشر ، قال : وما الحشر ؟ قالوا : * ( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ 83 : 6 ) * [ 8 ] حفاة عراة مكشفي الرؤس [ 9 ] ، فيجزى كل واحد على قدر حسناته وسيئاته ، قال : ولكم دار غير هذه تجازون فيها ؟ قالوا : نعم ، فرمى بنفسه من الفرس وجعل يعفر وجهه في التراب وقال لهم : من هذا كنت أخشى ، كاد هذا يأتي عليّ [ 10 ] ، وأنا لا أعلم به ، أما وربّ من يعطي ويحشر ويجازي ، إن هذا آخر الدهر [ 11 ] بيني وبينكم ، فلا سبيل لكم عليّ بعد هذا اليوم ، فقالوا : لا ندعك حتى نردّك إلى أبيك .

--> [ 1 ] في الأصل : « مهموما » وما أوردناه من ت والتوابين لما سيأتي من قول أبيه . [ 2 ] في الأصل : « احشروا » وما أوردناه من ت والتوابين . [ 3 ] في الأصل : « حتى يرعوي » وما أوردناه من ت . [ 4 ] ما بين المعقوفتين : من ت . [ 5 ] ما بين المعقوفتين : من التوابين ، وساقطة من الأصول . [ 6 ] ما بين المعقوفتين : من ت . [ 7 ] في الأصل : « فبينما » وما أوردناه من ت والتوابين ، وكلاهما صحيح . [ 8 ] سورة : المطففين ، الآية : 5 . [ 9 ] « حفاة عراة مكشفي الرؤس » ساقطة من ت والتوابين . [ 10 ] في الأصل : « كاد أن يأتي عليّ » . وما أوردناه من ت والتوابين . [ 11 ] في المطبوع من التوابين : « العهد » ، وفي إحدى نسخ المخطوطة : « العهد » .